سيد قطب

3363

في ظلال القرآن

ولكن القرآن يستطرد في إحكام الرقابة . فإذا الإنسان يعيش ويتحرك وينام ويأكل ويشرب ويتحدث ويصمت ويقطع الرحلة كلها بين ملكين موكلين به ، عن اليمين وعن الشمال ، يتلقيان منه كل كلمة وكل حركة ويسجلانها فور وقوعها : « إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » . أي رقيب حاضر ، لا كما يتبادر إلى الأذهان أن اسمي الملكين رقيب ، وعتيد ! ونحن لا ندري كيف يسجلان . ولا داعي للتخيلات التي لا تقوم على أساس . فموقفنا بإزاء هذه الغيبيات أن نتلقاها كما هي ، ونؤمن بمدلولها دون البحث في كيفيتها ، التي لا تفيدنا معرفتها في شيء . فضلا على أنها غير داخلة في حدود تجاربنا ولا معارفنا البشرية . ولقد عرفنا نحن - في حدود علمنا البشري الظاهر - وسائل للتسجيل لم تكن تخطر لأجدادنا على بال . وهي تسجل الحركة والنبرة كالأشرطة الناطقة وأشرطة السينما وأشرطة التليفزيون . وهذا كله في محيطنا نحن البشر . فلا داعي من باب أولى أن نقيد الملائكة بطريقة تسجيل معينة مستمدة من تصوراتنا البشرية المحدودة ، البعيدة نهائيا عن ذلك العالم المجهول لنا ، والذي لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به اللّه . بلا زيادة ! وحسبنا أن نعيش في ظلال هذه الحقيقة المصورة ، وأن نستشعر ونحن نهم بأية حركة وبأية كلمة أن عن يميننا وعن شمالنا من يسجل علينا الكلمة والحركة ؛ لتكون في سجل حسابنا ، بين يدي اللّه الذي لا يضيع عنده فتيل ولا قطمير . حسبنا أن نعيش في ظل هذه الحقيقة الرهيبة . وهي حقيقة . ولو لم ندرك نحن كيفيتها . وهي كائنة في صورة ما من الصور ، ولا مفر من وجودها ، وقد أنبأنا اللّه بها لنحسب حسابها . لا لننفق الجهد عبثا في معرفة كيفيتها ! والذين انتفعوا بهذا القرآن ، وبتوجيهات رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الخاصة بحقائق القرآن ، كان هذا سبيلهم : أن يشعروا ، وأن يعملوا وفق ما شعروا . . قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عن أبيه عن جده علقمة ، عن بلال بن الحارث المزني - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه تعالى ، ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله عزّ وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه . وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه » . . قال : فكان علقمة يقول : كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث . ( ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث محمد بن عمرو به وقال الترمذي : حسن صحيح ) . وحكي عن الإمام أحمد أنه كان في سكرات الموت يئن . فسمع أن الأنين يكتب . فسكت حتى فاضت روحه رضوان اللّه عليه . وهكذا كان أولئك الرجال يتلقون هذه الحقيقة فيعيشون بها في يقين . تلك صفحة الحياة ، ووراءها في كتاب الإنسان صفحة الاحتضار : « وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ . ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ » . .